الاربعون حديثا
واستيعابها . بل المقصود لدى أبي عبد الله عليه السلام ، هو عدم توصيفه بما لا يليق بذاته المقدس الحق المتعالي ، مثل إثبات الصورة والتخطيط وغيرها من صفات المخلوقين ، التي تلازم الإمكان والنقص . تعالى الله عنه .
وأما توصيف الحق المتعالي ، بما يليق ويجدر بذاته المقدس ، والذي أقيمت عليه البراهين الصحيحة في العلوم العالية الفلسفية ، فهو أمر مطلوب ، فإن كتاب الله سبحانه وسنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وأحاديث أهل البيت عليهم السلام مشحونة من ذلك . كما أن الإمام الصادق عليه السلام لمح في هذا الحديث الشريف إلى أن المقياس في إثبات الأوصاف للحق سبحانه هو البرهان الصحيح ويكون البحث في ذلك بعيد عن مقصدنا .
وما أمر به الإمام الصادق عليه السلام في توصيف الحق سبحانه ، من لزوم عدم الخروج عما في القرآن الكريم بقوله «إن المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به القرآن من صفات الله» ، توجيه لمن لا يستوعبون المقياس من صفات الله سبحانه ، وليس بمنع توصيف الله سبحانه بصفات لم تذكر في كتاب الله ، ولهذا نرى بأن الإمام صلوات الله عليه الذي أمر عبد الله بن علي بعدم توصيفه بوصف غير مذكور في كتاب الله ، هذا الإمام بنفسه ينعت الحق بصفتين لم يعهد بهما في القرآن الكريم وهما الثابت والموجود .
نعم إذا أراد شخص أن يصف الحق المتعالي بوصف من وحي عقله القاصر المشوب بالأوهام ، من دون أن يستنير بنور المعرفة والسداد الغيبي ، فيسقط إما في ضلال التعطيل والبطلان ، وإما في هلاك التشبيه . فعلى أمثالنا الذين أسدلت على قلوبهم ستائر وحجب غليظة من الجهل والأناينة والعادات البشعة والخلق الغليظ الفظ ، أن لا نتطرق إلى عالم الغيب ، ولا ننعت إلها على ضوء إدراكنا ، لأن ما يخطر ببالنا لا يكون إلا مخلوقا لنا .
ولا يخفى بأن المقصود من منع أمثالنا التطرق إلى عالم الغيب ، ليس هو الإبقاء في عالم الجهل والأنانية أو والعياذ بالله دعوة الناس إلى الإلحاد باسماء الله «وذروا الذين يلحدون في أسمائه» (1) أو المنع من الوقوف على المعارف الإلهية التي هي عين الأولياء ومصباحهم وأساس الديانات وقاعدتها . بل إن نفس هذا الكلام الكف عن التطرق لعالم الغيب دعوة لإزالة هذه الحجب الغليظة ، والانتباه إلى أن الإنسان ما دام ساقطا في شباك حب الجاه والمال والدنيا والنفس ، ويكون مثله ، مثل الكاتب الواقع خلف حجب الجهل والضلال والعجب والأنانية التي هي أغلظ الحجب ، يكون بعيدا عن المعارف حقة، ومحروما من الوصول إلى هدفه ومبتغاه . وإذا لم تصله والعياذ بالله نجدة غيبية من الحق المتعالي أو أوليائه الكاملين ، الاربعون حديثا :482
صفحة ٤٨١