الاربعون حديثا
بالصلاة إلى تركها . ومن الطبيعي أن الإنسان إذا لم يبد اهتماما بشيء لسقط من عينه ولانتهى إلى النسيان .
إننا قلما يعترينا النسيان تجاه أمر دنيوي سيما في الأمور المهمة منها ، وذلك لاستعظام النفس لها ، وتعلقها بها ، وتذكرها الدائم ، ومن الطبيعي أن لا ينسى مثل هذا الأمر . فإذا قال لك شخص صادق في وعوده ، إنني لدى الظهر من يوم كذا ، أدفع لك مبلغا كبيرا مهما عندك ، فإنك لا تنسى ذلك اليوم والموعد بل تحصي الساعات والدقائق حتى يقترب الوقت لكي تستقبل الموعد بكل توجه وحضور قلب ، كل ذلك نتيجة أن حب النفس لذلك الشيء وإكبارها له ، قد شغلك به ، فلا تتهاون فيه أبدا . وهكذا يتم الاهتمام من جانب الإنسان في كل الأمور الدنيوية حسب وضعه وشؤونه ، وأما إذا كان الشيء تافها لدى الإنسان ، لتوجهت النفس لحظة واحدة، ثم غفلت عنه .
إذن : هل تعرف المسوغ لفتورنا هذا في الأمور الدينية ؟ إنه لأجل عدم إيماننا بالغيب ، وأن مرتكزات عقائدنا واهية ، وإيماننا بالوعود الإلهية والأنبياء مهتزا ومتزلزلا ، وتكون النتيجة أن جميع الأمور الدينية والشرائع الإلهية عندنا تافهة وموهونة ، ويفضي هذا الوهن شيئا فشيئا إلى الغفلة فإما أن هذه الغفلة تهيمن علينا ، وتخرجنا كليا من هذا الدين الشكلي الصوري الذي نعتنقه ، أو تبعث على الغفلة لدى أهوال نزع الروح وشدائد اللحظات الأخيرة من حياة الإنسان .
إن من الأمورالمهمة التي تتوفر في هذه الصلوات الخمسة التي تعتبر عمود الدين ، والقاعدة الصلبة للإيمان والتي لا يرقى إلى مستواها شيء في الأهمية بعد الإيمان ، وبعد التوجهات النورية الباطنية ، والصور الغيبية الملكوتية ، حيث لا يعلم أحد عظمتها إلا الحق سبحانه والخواص من عباده . إن من الأمور المهمة التي تتواجد في الصلاة ، هو تكرار تذكر الحق في حالات من الأدب الخاص الروحاني الإلهي ، الذي يدفع بالإنسان إلى توثيق الأواصر بينه من جهة والحق المتعالي والعوالم الغيبية من جهة أخرى . ويبعث على ملكة الخضوع لله سبحانه في الفؤاد ، ويقوي الشجرة الطيبة التي هي التوحيد والتفريد ، ويجذرها في النفس على نحو لا يمكن اقتلاعها . كما أنه يفلح في الاختبار العظيم الذي يحصل له من قبل الحق المتعالي لدى سكرات الموت وأهوال المطلع ومشاهدة شيء من عالم الغيب ، ويوجب استقرار دينه وثباته ، من دون أن يكون مستودعا وقابلا للزوال حتى يصاب بالنسيان ، لدى أقل ضغط .
فيا أيها العزيز : إياك ثم إياك والله معينك في أوليك وأخراك إن تتهاون في أمورك الدينية وخاصة الصلوات الخمسة ، وتبدي الفتور والاهمال تجاهها . ويعلم الله بأن الأنبياء والأولياء الاربعون حديثا :448
صفحة ٤٤٧