الكشف المبدي

محقق

رسالتا ماجستير للمحققَيْن

الناشر

دار الفضيلة

الإصدار

الأولى ١٤٢٢ هـ

سنة النشر

٢٠٠٢ م

مكان النشر

الرياض

ـ[الكَشْف المُبْدِي لتمويه أبي الحسن السُّبكيّ، تكملة «الصّارم المنكي»]ـ
المؤلف: محمد بن حسين بن سليمان بن إبراهيم الفقيه (المتوفى: ١٣٥٥هـ) من علماء جدة
دراسة وتحقيق:
د/ صالح بن علي المحسن - أستاذ العقيدة المساعد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
د/ أبو بكر بن سالم شهال - دكتوراة في العقيدة من الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية
الناشر: دار الفضيلة للنشر والتوزيع - الرياض (سلسلة الرسائل الجامعية [١٧])
الطبعة: الأولى ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م
أصل الكتاب: رسالة من المحققَيْن لنيل درجة الماجستير
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

صفحة غير معروفة

المبحث الأول: اسمه ونسبه ومولده ونشأته
اسمه:
هو محمد بن حسين بن سليمان بن إبراهيم الفقيه. وقد يُقال له: الفقي والمشهور بالفقيه، وأسرته تعرف الآن بعائلة الفقيه.
مولده:
ولد الشيخ محمد بن حسين الفقيه سنة ١٣٠٤ هـ في دمنهور بمصر، وقد نصَّ على سنة ولادته الشيخ محمد نصيف.

1 / 19

نشأته:
نشأ المؤلف- ﵀ بدمنهور، حيث وُلِدَ بها. مات أبوه وهو صغير جدًا فتربى عند عمه الشيخ إبراهيم بن سليمان بن إبراهيم، وكان عمه هذا عالمًا، فربَّاه ونشأه على العلم وغرس فيه حب التعلم، لما لمسَ فيه من النبوغ وسرعة التحصيل فَحفظه القرآن وشيئًا من العلوم، ثم سافر للَحج وطاب له الجلوس في جُدة، ونزل على بيت الشريف مهنا ثم أخذ يتلقى العلم من علمائها.

1 / 20

المبحث الثاني: صفاته
لقد كان المؤلف- ﵀ كفيف البصر منذ ولادته، ولكنَّ الله ﷾ رزقه وعوَّضه عن نعمة البصر بنعمة البصيرة، والذكاء، وقوة الحافظة. ومِمَّا يدل لهذا ما حدَّثني به ابنه حيث قال: (كان أبي يعرف مواضع الكتب وأماكنها من مكتبته) . وما قاله أيضاَ تلميذه حمزة سعداوي: (كان شيخنا- ﵀ الشيخ محمد أُوتي قوة حافظة عجيبة، وسرعة تذكُر، فكان إذا سمع الصوت مرة واحدة لا ينساه وربما يعرف القادم من خلال مشيه وخطواته) . ويدلُّ لهذا ما ذكره- ﵀ في كتابه هذا من الكتب الكثيرة، وسرد أسمائها وأسماء مؤلفيها من حفظه.
وكان- ﵀ ربعة من الرجال، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، كان نحيفاَ، ويمتاز بهيئته في المشي. فإذا مشى مشى ممشوق القائمة شامخاَ برأسه، ولم يكن ﵀ كثير شعر اللحية، بل كان خفيف العارضين، وربما إذا مشى مسك عصى بيده، وقد يأتي أحياناَ ويكون معه قائدٌ يقوده من بيته إلى مسجده. ولباسه لباس العلماء في ذلك الوقت- الجبة والعمامة-. كان صوته أقرب إلى الخفض، إلا أنه كان مسموعًا هادئاَ يبعث سماعه على الطمأنينة والراحة.
ولم يكن- ﵀ ممن يكثر الاختلاط بالناس، إلا بقدر الحاجة من نصح وإرشاد.
كان كثير الصوم والصلاة، دائم التضرع والابتهال إلى الله. حدثتني ابنته تقول:
(كان يقضي غالب وقته في مكتبته مع بعض تلاميذه، فإذا جاء الليل شغله بالذكر والقرآن والصلاة ويحرص حرصا شديدا على صيام أيام التطوع) .

1 / 21

أخلاقه:
عاش الشيخ- ﵀ عيشة الفقراء، فأثر ذلك في أخلاقه وطِبَاعِه، كان متواضعًا جدًا لا تُعْجبه حياة الترف والثراء، ينهى دائمًا عن الإكثار من الدنيا ومتاعها، وغالبًا ما يوجه طلابه وتلاميذه إلى التقلل من الدنيا.
وقد عُرف عن الزهد فيما في أيدي الناس مع حاجته- ﵀.
ومن أخلاقه: تمتعه بقوة الصبر والتحمل، وشدة التواضع، ومن أمثلة تواضعه وصبره أن يقف للمرأة تستفتيه وتسأله، ويقف للعامة من الناس- وربما أطال الوقوف- ﵀ في شدة الحر، وكان يسمع بعض الكلام ممن يُنْكِرُ عليهم من الصوفية، لا يزيد على قول: اللهم اهدهم.
ومن تواضعه أنه كان يرد السلام على كل من سلم عليه بوجه بشوش طَلْق، فلذلك أحبه الناس مع إنكاره عليهم؛ لأنه كان يُنكِر بحكمة ولين، فأصبح مرجع الناس في حل مشاكلهم وفتاويهم.
كان- ﵀ ملازماَ للتقوى، لا يُحب الكلام في الآخرين والقدح فيهم ويترحم على الميتين ويلتمس الأعذار لمن أخطأ عليه.

1 / 22

المبحث الثالث: أنموذجه اليومي
كان الشيخ- ﵀ حريصاَ على طلب العلم، شغوفًا لسماع كلام أهل العلم، كما وصفه بهذا الشيخ محمد نصيف، فكان- ﵀ مُقَسماَ يومه للاستفادة والتحصيل، فيبدأ يومه بصلاة الفجر، يصلي غالبًا في المسجد الملاصق لبيته، وربما صلى في مسجد عكاش، ثم يجلس بعد الصلاة يتلو القرآن ويسبح الله- ﷿ حتى شروق الشمس. وبعد ذلك يعود إلى بيته. وأحيانًا يذهب إلى بيت الشيخ إبراهيم الصنيع، فيجلس مع بعض أصدقائه، ثم يذهب إلى بيته
ويجلس في مكتبته، ويأتيه بعض تلاميذه يقرأون عليه، ويستفيدون منه، وكثيرًا ما يذهب إلى مكتبة الشيخ محمد نصيف، ويجلس حتى الظهر فيعود ويصلي في مسجد عكاش، وقد يصلي في مسجد المعمار، حيث كان قريبًا من بيت الشيخ نصيف، ثم يذهب إلى بيته ويرتاح قليلًا ويصلي صلاة العصر فيعود إلى مكتبته، وقبل المغرب يذهب إلى مسجد عكاش حيث كان إمامًا له في المغرب والعشاء والجمعة فقط، فيجلس- ﵀ من بعد صلاة المغرب للدرس والإفتاء، وبعد صلاة العشاء يعود إلى بيته ... وهكذا- ﵀ كان يومه عامرًا بذكرِ الله- ﷿ وتوجيه الناس للخير.

1 / 23

المبحث الرابع: أسرته ومسكنه
أسرته:
يرجع المؤلف- ﵀ إلى عائلة الفقيه، وهي مشهورة بهذا الاسم، وقد يُقال له أيضًا: الفقي، ومعناه: المعلم: فلكونه معلّمَا وفقيهاَ اشْتُهِرَ بالفقيه. تزوج المؤلف- ﵀ مرات كثيرة، ولكنه لم يرزق أولادا إلا من زوجتين فقط، وقد مات عنهما.
مسكنه:
عاش الشيخ- ﵀ في مدينة جُدة، وكانت جُدة في ذلك الوقت صغيرة، ويقع مسكنه الآن في وسط مدينة جُدة، وتسمى الآن جُدة القديمة في حارة تسمى حارة المظلوم.
يتكون بيته من ثلاث طوابق، وكانت المكتبة تشغل الطابق الأوسط وجزءًا من الأول، وقد ذهبتُ لهذا البيت وشاهدته، ولا يزال بعض أبنائه وبناته يعيشون فيه.

1 / 24

المبحث الخامس: حياته العلمية
نستطيع أن نقسم حياة المؤلف- ﵀ العلمية إلى مرحلتين. وتشمل المرحلة الأولى: من حين نشأته وقدومه إلى جدة واتصاله بعلمائها حتى سفره إلى دمشق. والمرحلة الثانية: انتقاله من جدة إلى دمشق. وهذه المرحلة التي استفاد منها حيث اتصل بعالم الشام الشيخ جمال الدين القاسمي.
المرحلة الأولى: فكما تقدَّم أن الشيخ- ﵀ ولد سنة ١٣٠٤ هـ في مدينة دمنهور بمصر، وجلس بها مدة، وتلقى فيها تعليمه الأوليّ، فحفظ القرآن الكريم بالكتاتيب كغيره من أقرانه، وشيئًا من مبادئ العلوم. ثم عزم على أداء فريضة الحج مع والدته، وكان هذا في حدود سنة ١٣٢٠ هـ. وبعد أن قضى مناسك الحج، جلس في مدينة جدة، وأما أمه فحدثني ابنه حامد إنها توفيت بعد الحج.
اهتم الشيخ- ﵀ في هذه المرحلة بالقرآن الكريم: حفظًا وتفهُّمًا. واتصل بعلماء جدة، ولازم دروس العلماء، واهتم أولًا بتعلم القراءات السبع، ولازم فيها العالم العلاَّمة الشيخ أحمد الزهرة، حيث كان مُلما بالقراءَات السبع. وقد نال الزهرة الشهادة العالمية بها من الأزهر، وتعلَم عليه أيضًا مبادئ النحو، فكان يُقَوِّم ألْسنَة طلابه؛ لأنه كان غيورًا على النحو، فلا يكاد يسمع خطأ حتى يمتلئ بالغضب. وتلقى عليه أيضًا العلوم التي كانت تُدرَس في تلك الفترة من الحديث والتفسير، حيث كان الزهرة يدرس العلوم بمسجد الشافعي، وجَدَ في تعلم القراءات، فتعلم على الشيخ أحمد حامد أبو تِيجْ المدني، فقد كان من كبار القرَّاء. ومع اهتمامه في بداية الطلب بالقرآن والقراءات، اهتم أيضًا بتلقي العلوم الشرعية الأخرى، فقد لازم عالم جدة المشهور في ذلك الوقت الشيخ أحمد ابن الشيخ علي باصبرين، وكان يُدرِّس الفقه على المذاهب الأربعة، واتصل بالعلماء الآخرين.

1 / 25

وكان الشيخ في هذه المرحلة حريصاَ على الطلب، ويرجع هذا لما آتاه الله من حب للعلم. ويظهر حرصه على العلم بما وصفه به نصيف حيث قال: (كان الشيخ محمد لا يفوته درس من دروس العلماء والمشايخ أثناء طلبه للعلم، كان شديد الحرص على ذلك بالغًا فيه الجَهد والغاية، مع أنه كان كفيفَ البصر) . ومما يدلُّ له أيضاَ: اقتصار صاحب كتاب "تراجم علماء جُدة من الحضارمة " على ذكره عندما تكلم عن أبرز طلاب الشيخ باصبرين، فلم يذكر إلا هو والشيخ عبد القادر التلمساني، وهذا مما يدلُّ على أنه كان حريصاَ ملازمًا.
المرحلة الثانية: وتبدأ هذه المرحلة برحلته العلمية إلى دمشق، حيث عالمها الشهير جمال الدين القاسمي.
فبعد أن تلقى المؤلف- ﵀ تعليمه على علماء جدة- كما قلَّمنا- أراد الاستزادة من هذا العلم، فتوجه إلى الشام، وكان هذا في حوالي سنة ١٣٢٥ هـ. اتصل ﵀ بالشيخ جمال الدين، ولازمه مدة امتدت إلى خمس سنوات أو ست سنوات، استفاد فيها فائدة عظيمة ظهرت آثارها في حياته وسلوكه، وفي كتابه أيضا.
فقد أتقن علم الحديث والتمييز بين الصحيح والضعيف. ويدُل لهذا ذكره للأحاديث الكثيرة في كتابه مع الاعتناء بذكر الصحيح منها، حيث لم يذكر في كتابه إلا الصحيح، وقد يذكر الضعيف مع التنبيه على ضعفه.
كما استفاد- ﵀ من شيخه القاسمي: "العقيدة الصحيحة والسلفية والدعوة إليها والرد على المخالفين "، من معتزلة، وأشعرية، وجهمية، وبالغ في الرد على الصوفية، وتحرر من التقليد الأعمى، وحاربه أشد محاربة، وكان يتردد على مكتبة دمشق في ذلك الوقت وكانت عامرة بالكتب، فاستفاد من النظر فيها والأخذ منها.
ثم رجع إلى جُدة- ﵀ وكان هذا في حدود سنة ١٣٣١ هـ أو قبلها بقليل، فانكبَّ على التحصيل والمطالعة في مكتبته العظيمة. وقد استمر في جُدة مرجعًا للناس في العلم والفُتْيَا، ومدرسًا وإمامًا في مسجد عكاش حتى توفَّاه الله.

1 / 26

المبحث السادس: مكانته العلمية وثناء أهل العلم عليه
تعرف مكانة الشخص العلمية بشيوخه ومؤلفاته. فالشيخ- ﵀ تتلمذ على أكابر العلماء في وقته، وقد ذكرنا ما وجدناه منهم، ولا يبعد أن يكون تتلمذ على غيرهم مما لم نجدهم، لا سيما من كانوا في جُدة، ومن أعظم من أخذ عنه: الشيخ جمال الدين القاسمي، كما ذكر هو عنه نفسه. وقد تأثَّر به- ﵀ تأثرًا بالغًا، ففهم هذا الدين كما كان يفهمه الصحابة والتابعون، ومن نظر في كتابه يدرك مدى هذا التأثر. ومما يدلُّ على علمه ومكانته، اقتنائه لهذه الكتب العظيمة. فقد كان الشيخ- ﵀ مُغْرَمًا بشراء الكتب من مصر والهند، حتى كوَّن مكتبة عظيمة في وقت قلَّ فيه رؤية الكتاب، فضلًا عن اقتنائه. فأفاده هذا سعة اطلاع على كلام لعلماء
ومؤلفاتهم، وكسَبَ شخصية علمية قويَّة. ويدلُّ على تمكُنِهِ من العلم، تأليفه لهذا الكتاب العظيم، وقد ألَفَه وهو في سن التاسعة والعشرين من عمره. وحدَّثني ولده أنه كان يحب المناظرة في العلم، فقد كان في جُدة عالم كبير اسمه محمد حسين مطر فكان الشيخ ينتصر عليه دائماَ ويُرجعه إلى المسألة في مكانها من كتب العلماء.
وقد بلغ منزلة علمية أهَلته لتصدر المجالس والفُتْيَا، حتى كان مرجعَ الناسِ في جدة، يسألونه عن أمور الطلاق والحلال والحرام، وكان خطيبًا في مسجد عكاش، أكبر المساجد في ذلك الوقت، وحلقته في هذا المسجد معروفة يحضرها طلاَب العلم والقُضاة، فاستفاد الناس منه ومن مُجالسته.
يقول تلميذه حمزة سعداوي: (انتفع بعلمه خلق كثير، كانت حلقته غاصَة بالناسِ من طلاب العلم ومن العوام، فأحيا الله به قلوبًا ميّتة بعيدة عن منهج الله، فصحَّح

1 / 27