803

قال: أما معاوية، وعبدالملك، وهشام، وسليمان أخوه، ومروان بن محمد فكان بينهم وبين الندماء ستارة لا يظهرون لهم، فإذا طربوا للغناء قاموا وحركوا أكتافهم(1) ورقصوا حيث لا يراهم أحد من الندماء والمغنين، وربما قال الخادم القائم على الستارة: يا جارية، كفي واقعدي، فإن أمير المؤمنين يأمرك بذا يوهم الندماء غير ما هم عليه، وأما الباقون فلم يكونوا يتحاشون أن يتجردوا ويرقصوا ويصفقوا بحضرة الندماء، وأما عمر بن عبدالعزيز فما طن في سمعه حرف من الغناء منذ ولي الخلافة إلى أن فارق الدنيا، فأما قبلها وهو أمير المدينة فكان يسمع من جواريه خاصة، ولا يظهر منه إلا الجميل، وربما صفق على يده، وتمرغ على فراشه طربا، وتنكب عمر أعمال [أهل](2) بيته وسماها مظالم، ولم ينزل في شيء من قصورهم التي بنوها بأموال الله، ونزل البرية(3)، فقيل: هذا يضر بالناس، فنزل دار أبيه إلى جنب مسجد دمشق فضاقت به وبالناس، فنهض إلى دير سمعان، وأوصى إذا مات أن يدفن في قطعة أرض ورثها من أمه، ورد مظالم بني أمية إلى أربابها، ووصل أهل بيت النبي-صلى الله عليه وآله-بعشرة آلاف أنفذها إليهم إلى المدينة، وزاد لفاطمة بنت الحسين عليه السلام شيئا لما كتبت إليه: جزاك الله من وال خيرا، فلقد أشبعت بطونا من أهل بيت النبي-صلى الله عليه وآله- [جائعة، وكسوت ظهورا عارية، وأخدمت من كان لا يقدر على خدمة نفسه](4)، ورد فدكا على أولاد فاطمة بلا اختلاف بين أهل العلم، وأدنى أهل الدين والصلاح، وباعد أهل الفسوق، ودان بالعدل والتوحيد، وهو الذي قطع لعن علي عليه السلام، وجعل مكانه {إن الله يأمر بالعدل والإحسان}[النحل:90] كما تقدم، وكان يصيح على الأموال عند تفريقها: هلم إلى أموال الحق(5)، هلم إلى أموال الظلمة، هلم إلى أموال أخذت من خير حقها، ومنعت من مستحقها، فسمعه هشام، فقال: يسب آبائي، والله لأقتلنه.

وروى الواثق المطهر بن محمد بن المطهر بن يحيى بن المرتضى، عن أبيه، عن جده، عن يحيى بن المرتضى: أن عمر بن عبدالعزيز كان متوليا من زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام، وقال عمر بن عبدالعزيز: لولا أني أخاف عليكم من الناس، لرددت الأمر عليكم.

وروي في عدله أنه سأل رجاء بن حيوة عن حال رعيته مع العمال؟، فقال: رأيت الظالم مقهورا، والمظلوم منصورا، والغني موفورا، والفقير مبرورا، فقال: الحمدلله الذي وهب لي من العدل ماتطمئن إليه قلوب رعيتي، ووفد إليه رجل من أهل اليمن متظلم، فقال:

مرت من كان مظلوما ليأتيكم?

?

فقد أتاك غريب الدار مظل

فقال له: ما ظلامتك

فقال: غصبني الوليد بن عبدالملك ضيعتي.

فأمر بالكشف عن ذلك، فوجد الأمر كما قال الرجل، فأخرجها(1) من الديوان، وردها عليه، وأعطاه ما أنفقه في طريقه إليه، ثم تولى الأمر يزيد بن عبدالملك ويكنى أبا خالد، وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية، بويع له يوم وفاة عمربن عبدالعزيز، وتوفي بحوران لخمس من شعبان سنة خمس ومائة، وكانت(2) ولايته أربع سنين وشهرا [ويومين](3)، وكان شديد الكبر، عاجزا، صاحب لهو ولذات ومجون ورفث، يخرج عريانا، ولا يبالي بما فعل، وهو صاحب حبابة وسلامة وهما جاريتان كان مشغوفا بهما، وماتت حبابة فمات بعدها بيسير أسفا عليها، وقد كان نبشها بعد الدفن ولم يدفنها، حتى لامه كبار أهل بيته بعد أن تغير ريحها.

صفحة ٢٤١