ويروى أن الرشيد هارون أراد هدمه فاستشار يحيى بن خالد البرمكي فنهاه، وقال: فيه معجزة باقية.
فقال الرشيد: بل أبيت إلا تعصبا لآبائك يعني الفرس وأمر بهدمه، فصرف على هدم شرافة منه مالا كثيرا فكف عنه، فقال يحيى: أرى الآن أن تهدمه لئلا يتحدث عنك أنك عجزت عن هدم بناء غيرك، فتغافل عن ذلك وتركه.
وصنع كسرى في الإيوان سلسلة طويلة ذات أجراس، وجعل لها طرفا(1) خارج القبة، وأمر مناديه من كان مظلوما فليحرك[به](2) السلسلة ليعلم به الملك فيزيل ظلامته.
قال العسكري: وهذا الأصل في قول الناس حرك فلان على فلان السلسلة إذا وشى به، ولما بني إيوانه وكان قد ورد عليه رسول ملك الروم قيصر بهدايا وألطاف فنظر إلى إيوانه وحسن بنائه ورأى اعوجاجا في ميدانه فقال: (كان يحتاج هذا الصحن أن يكون، مربعا)(3).
فقيل له: إن عجوزا لها منزل في جانب الاعوجاج وإن الملك أرادها على بيعه فأرغبها في الثمن فأبت فلم يكرهها فبقى الاعوجاج من ذلك على ما ترى.
فقال الرومي: هذا الاعوجاج أحسن من الاستواء.
وأنو شروان هذا الذي استغاث به سيف بن ذي يزن كما سيأتي إنشاء الله تعالى، ولكسرى هذا سيرة حسنة تشتمل على حكايات عجيبة منها: أن عاملا له كان على ناحية كتب إليه يعلمه بجوده الربيع، ويستأذنه في الزيادة على الرسوم فأمسك عن إجابته فعاوده العامل في ذلك فكتب إليه: قد كان في ترك إجابتك ما حسبتك تنزجر به عن تكلف ما لم تؤمر به، فإذا أبيت إلا تماديا في سوء الأدب فاقطع إحدى أذنيك، واكفف ما ليس من شأنك.
فقطع العامل أذنه، وسكت عن ذلك الأمر.
ومنها أن رجلا على عهده كان يقول: من يشتري ثلاث كلمات بألف دينار؟ إلى أن اتصل خبره بكسرى، فأحضره وسأله عنها، فقال: ليس في الناس كلهم خير.
فقال كسرى: هذا صحيح ثم ماذا.
قال: ولا بد منهم.
صفحة ٦٩