637

روى في (الحدائق) بإسناده عن هند بنت الجون قالت:نزل رسول الله-صلى الله عليه وآله-خيمة أم معبد، ومعه أصحاب له، وكان من أمره في الشاة ما قد علمه الناس، فقال في الخيمة حتى أبرد، فلما قام من رقدته دعاء بماء فغسل يديه فأنقاهما، ثم تمضمض إلى عوسجة كانت إلى جانب خيمة خالته، فلما كان من الغد أصبحنا وقد غلظت العوسجة، حتى صارت أعظم دوحة، وشذب الله شوكها، وساخت عروقها، واخضر ساقها وورقها، ثم أثمرت بعد ذلك وأينعت بثمر أعظم ما يكون في الكماة في لون الورس المسحوق ورائحة العنبر وطعم الشهد، والله ما أكل منها جائع إلا شبع، ولا ظمآن إلا روي، ولا سقيم إلا بري، ولا أكل من ورقها بعير ولا ناقة ولا شاة إلا در لبنها، ورأينا النماء والبركة في أموالنا منذ نزل رسول الله-صلى الله عليه وآله-، وأخصبت بلادنا، وأمرعت، وكنا نسمي تلك الشجرة المباركة، وكان من ينتابنا من حولنا من البوادي يستشفون بها، ويتزودون من ورقها ويحملونها معهم في الأرض القفار فيقوم لهم مقام الطعام والشراب فلم يزل كذلك وعلى ذلك حتى أصبحنا ذات يوم وقد تساقط ثمرها وشعر ورقها فحزنا لذلك وفزعنا له فما كان إلا قليل، حتى جاء نعي رسول الله-صلى الله عليه وآله- فإذا هو قد قبض في ذلك اليوم، فكانت بعد ذلك تثمر دونه في اللون والطعم والرائحة، وقامت على ذلك ثلاثين سنة، فلما كان ذات يوم أصبحنا [وإذا بها قد أشوكت من أولها إلى آخرها، ذهب نضارة عيدانها، وتساقط جميع ثمرها، فما كان إلا يسيرا حتى وافانا مقتل أمير المؤمنين عليه السلام فما أثمرت بعد ذلك قليلا ولا كثيرا، وانقطع ثمرها ولم نزل ومن حولنا نأخذ من ورقها ونداوي به مرضانا ونستشفي به من أسقامنا، فأقامت على ذلك، ثم أصبحنا](1)وإذا بها يوما قد نبع من ساقها دم غبيط حار، وورقها ذابل يقطر ماء كماء اللحم فعلمنا أنه قد حدث حدث عظيم فبتنا فزعين مهمومين نتوقع الداهية، إذ أتانا بعد ذلك قتل الحسين بن علي-عليهما السلام-، ويبست الشجرة وكسرتها الرياح والأمطار بعد ذلك، فذهبت واندرس أصلها.

قال محمد بن سهل وهو من وراة الحديث: فلقيت دعبل بن علي الخزاعي في مدينة الرسول-صلى الله عليه وآله- فحدثته بهذا الحديث، فقال: حدثني أبي ، عن جدي، عن أمه سعداء بنت مالك الخزاعية، أنها أدركت تلك الشجرة وأكلت من ثمرها على عهد أمير المؤمنين علي عليه السلام قال دعبل: فقلت قصيدتي:

زر خير قبر بالعراق يزار

لم لا أزورك يا حسين لك الفداء

ولك المودة في قلوب ذوي النهى ... واعص الحمار فمن نهاك حمار

نفسي ومن عطفت عليه نزار

وعلى عدوك مقتة ودمار

وكانت بيعة الحسين عليه السلام عند ورود نعي معاوية-لعنه الله- إلى المدينة، وطلبه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وهو الوالي على المدينة أن يبايع ليزيد، وقد جاءه كتاب يزيد: إذا جاءك كتابي هذا فاحضر الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير فخذهما بالبيعة[لي](1) فإن امتنعا فاضرب أعناقهما وابعث إلي برؤوسهما، وخذ الناس بالبيعة فمن امتنع فانفذ فيه الحكم، فخرج الحسين عليه السلام ليلة الأحد لليلتين بقيتا من رجب سنة ستين، فدخل مكة ليلة الجمعة لثلاث خلون من شعبان ووردت عليه كتب أهل الكوفة كتاب بعد كتاب إلى مكة بالبيعة له من ذي الحجة [من](2) هذه السنة، وفيها: وإن لم تصل إلينا فأنت آثم.

صفحة ٥٧