465

وفي رواية غيره: كان ذلك ست عشرة، وقيل: سبع عشرة، ولما نجزت وقعة (القادسية) ونصر الله تعالى المسلمين وفتحت مدن كثيرة ب(العراق) كتب عمر إلى سعد يأمره بالمسير إلى (المدائن) ومنازلتها، فسار سعد بالمسلمين في سنة خمس عشرة طالبا (المدائن) فصادف في طريقه (نهرسير) وهي مدينة لطيفة حصينة لها خنادق وعليها حرس فنازلها وخرج منها ومن غيرها جنود كثيرة للفرس فاقتتلوا مع المسلمين قتالا شديدا كان الظفر فيه للمسلمين فانهزم الفرس في لحظة واحدة واستولى المسلمون منهم على أموال جزيلة، وكان قد خرج في هذا اليوم مقدما على الفرس شهريار فخرج بين الصفين ونادى ألا رجل منكم يخرج إلي حتى أنكل به، فخرج إليه عبد يسمى تابل بن جعثم وكان شجاعا تام القامة فالتقيا بالرماح حتى ىانتضيا سيفيهما فاجتلدا ثم اعتنقا فخرا عن دابتيهما فوقع شهريار على تابل كأنه بيت فغطه بفخذه وأخذ خنجره وحاول حل إزار درع تابل فوقعت غبهام شهريار في فم تابل فعظها فحطم عظمها فعثر شهريار فقام تابل إليه وجلد به الأرض ثم قعدا على صدره وأخذ خنجره وكشف عن بطنه فطعنه حتى قتله وأخذ فرسه وسواريه وسلبه، وانكشف أصحابه حتى هربوا في البلاد، ودخلت سنة ست عشرة والمسلمون محاصرون (نهر سير) بالآمان فدخلوها فلم يجدوا فيها أحدا ولاح لهم إيوان كسرى في (المدائن) فكبروا وقالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وبينهم وبينها (دجلة) و(الفرات) فطلب سعد سفنا ليعبر بالمسلمين إليهم فلم يظفر بشيء لأن الفرس ضمت جميع السفن إلى جهة ساحلهم فأقاموا شهرا لا يطيقون العبور في الماء ومدة (دجلة) في تلك المدة مدا عظيما فقال لهم سعد: إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر فلا تخلصون إليهم، وهم يخلصون إليكم بسفنهم وإني قد عزمت على هذا البحر إليهم وخوضه، فقالوا: عزم الله لك لنا على الرشد فتقدم جماعة منهم بخيول إناث للتبعها الفحول فاقتحموا دجلة عوما وهي سوداء مزبدة كثيرة المد، وجعل الناس يتحدثون في عومهم كما يتحدثون في مسيرهم على الأرض، وسعد يقول حسبنا الله ونعم الوكيل وطبقوا الماء حتى أنه ما يرى ولم .. فرس ويسر الله للخيل جراثيم انتشرت الماء تستريح الخيل عليها فسمي بذلك الجانب، والخيل تنفض أعرضها وتصهل، ولم يفقدوا في عبورهم رجلا واحدا ولا دابة ولا متاع سوى قدح من خشب كانت علاقته رثة فذهب في الماء فأخذه رجل من المسلمين ونادى عليه فظهر صاحبه فدفعه إليه، هكذا ذكره ابن أبي الدم في تاريخه.

صفحة ٤٨٢