الجزء الأول
قال الراوي: فقاتلناهم وهزمناهم أقبح هزيمة فلما اتصل الخبر بعبدالله بن طاهر قامت قيامته فأنفذ قائدا آخر يقال له: نوح بن حيان بن جبلة في جند كالبحر فلقيناهم فهزمناهم أقبح من الأولى فانحاز إلى بعض النواحي، ولم يرجع إلى عبدالله بن طاهر وكتب إليه يعتذر وأقسم أنه لا يرجع إليه إلا أن يظفر أو يقتل فأمر له عبدالله بن طاهر بجيش ضخم فسار إلينا فقاتلناه ساعة، [وقد] (1) كمن كمينا ثم انهزم متطاردا فاتبعناهم فلما تفرقنا في طلبه خرج الكمناء من ورائنا من كل وجه فانهزمنا، وأفلت محمد بن القاسم وصار إلى نساء مستترا، وحكى أبو الفرجن يرفعه إلى ابن الأزهر أن إبراهيم بن غيشان بن الفرج العوري صاحب عبدالله بن طاهر، قال: دعاني الأمير عبدالله [بن طاهر](2) إلى أن قال: قد جردت لك ألف فارس من نخبة عسكري، وأمرت أن يجعل معك مائة ألف درهم تصرفها فيما تحتاج فاضرب الساعة بالطبل والبوق فإنهم يتبعونك فاخرج واركض، وخذ من خيلي ثلاثة أفراس تجنب معك وخذ بين يديك دليلا قد رسمته لصحبتك، إلى أن قال: فإذا صرت على فرسخ فافضض هذا الكتاب واعمل بما فيه، قال إبراهيم: فخرجت وفعلت جميع ما أمرني به وفضضت الكتاب، فإذا فيه: سر على بركة الله، فإذا كنت على فرسخ من نسا فعب أصحابك تعبئة الحرب وادخل نساء وأنفذ قائدا من قوادك في [ثلاثمائة] (3) حتى يأخذ على صاحب البريد داره فتحدق بها من كل جوانبها، وأنفذ إلى باب عاملها خمسمائة حذرا من وقوع حيلة(4) ببيعة في أعناقهم لمحمد بن القاسم، وسر في أصحابك إلى محلة كذا وكذا درب كذا وكذا دار فلان بن فلان فادخل الدار الأولى، ثم أنفذ منها إلى دار ثانية فإذا دخلتها فانفذ منها إلى دار ثالثة فإذا دخلتها فارق على درجة منها على يمينك، فإنك تصير إلى غرفة فيها محمد بن القاسم العلوي الصوفي، ومعه رجل من أصحابه(5) يقال له: أبو تراب، فاستوثق منهما بالحديد وأنفذ إلي خاتمك مع خاتم محمد بن القاسم لأعلم ظفرك به قبل كتابك وأنفذ الخاتمين مع الرسول، ومره فليركض حتى يصير إلي في اليوم الثالث إن شاء الله تعالى، ثم اكتب بعد ذلك بشرح خبرك.
قال إبراهيم: فما رأيت خبرا كأنه وحي مثله، فصرت إلى الموضع، فوجدت محمدا على رأس الدرجة متلثما [بعمامته] (1) وقد شد له محمل وهو يريد الرحيل إلى خوارزم فقبضت عليه، وقلت: هات خاتمك فأعطاني فأنفذته مع خاتمي إلى عبدالله بن طاهر مع رجل، ثم أمرت بعض أصحابي [أن] (2) يدخل الغرفة فقال: وما تريد من دخول الغرفة؟ وقد أخذتني وأنا بغيتك، ففتش أصحابي الغرفة فوجدوا أبا تراب فأخذتهما واستوثقت منهما بالقيود الثقال، وكتبت إلى عبدالله بن طاهر، وسرت إلى نيسابور ستة أيام، ثم وكلت بها من أثق به في موضعين مفترقين فوضع محمد كساه، وقام يصلي وعبدالله بن طاهريشرف من غرفة قصره علينا، فلما فرغت من الاحتياط صرت إلى عبدالله بن طاهر فاخبرته شفاها فقال لي: لابد أن أنظر إليه، فصار إلي مع المغرب متنكرا فلما نظر إلى محمد بن القاسم وثقل الحديد عليه، قال: ويحك يا إبراهيم! ما خفت الله في فعلك ، أتقيد الرجل الصالح بهذا القيد الثقيل؟ فقلت له: أيها الأمير، خوفك أنساني خوف الله، إلى أن قال: فمضى(3) وتركه فأقام بنيسابور ثلاثة أشهر يريد بذلك أن يخفي خبره على الناس لما كان يخشى من قيام دهماء الناس فيه وذلك لكثرة من بايعه بكور خراسان حتى إذا استتر بنيسابور حمله في جوف الليل، وخرج به مع إبراهيم بن عيشان الذي أسره من نسا وافا به الري، ثم أورده بغداد على المعتصم.
صفحة ٦