736

المدخل

الناشر

دار التراث

الإصدار

الأولى

مكان النشر

القاهرة

وَهَا هُوَ ذَا بَيِّنٌ.
أَلَا تَرَى السَّمَاعَ كَانَ عِنْدَهُمْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَهُوَ الْيَوْمَ عَلَى مَا نُعَايِنُهُ، وَهُمَا ضِدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ، ثُمَّ إنَّهُمْ لَمْ يَكْتَفُوا بِمَا ارْتَكَبُوهُ حَتَّى وَقَعُوا فِي حَقِّ السَّلَفِ الْمَاضِينَ ﵃، وَنَسَبُوا إلَيْهِمْ اللَّعِبَ، وَاللَّهْوَ فِي كَوْنِهِمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ السَّمَاعَ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ الْيَوْمَ هُوَ الَّذِي كَانَ السَّلَفُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - يَفْعَلُونَهُ، وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ هَذَا، وَمَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ، وَيَرْجِعَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَّا فَهُوَ هَالِكٌ أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّيْخَ الْإِمَامَ السُّهْرَوَرْدِيَّ ﵀ لَمَّا أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى السَّمَاعِ قَالَ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ: وَلَا شَكَّ أَنَّك إذَا خَيَّلْت بَيْنَ عَيْنَيْك جُلُوسَ هَؤُلَاءِ لِلسَّمَاعِ، وَمَا يَفْعَلُونَهُ فِيهِ فَإِنَّ نَفْسَك تُنَزِّهُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ عَنْ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، وَعَنْ حُضُورِهِ انْتَهَى.
وَلَقَدْ أَنْصَفَ فِيمَا وَصَفَ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي يَجِبُ اعْتِقَادُهُ فِي حَقِّ السَّلَفِ الْمَاضِينَ ﵃ أَجْمَعِينَ -، وَقَدْ قِيلَ عَنْ الْجُنَيْدِ ﵁ إنَّهُ قَالَ: إنَّ السَّمَاعَ لَا يَرْجِعُ مُبَاحًا إلَّا بِعَشَرَةِ شُرُوطٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِي مَكَان لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ إلَّا ذُو مَحْرَمٍ أَعْنِي أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ، وَإِمْكَانٍ، وَإِخْوَانٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ ﵀: وَأَنْ يَكُونَ الْقَوَّالُ هُوَ الَّذِي يَمُدُّهُمْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْجُنَيْدُ ﵀: وَأَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ، وَأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَ أَحَدٍ مِمَّنْ يَحْضُرُهُ شَنَآنُ، وَأَنْ لَا يَحْضُرَهُ أَحَدٌ مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، وَأَنْ لَا يَحْضُرَهُ شَابٌّ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْصَافِ الْجَمِيلَةِ.
وَحَيْثُ كَانَ مُبَاحًا بِهَذِهِ الشُّرُوطِ فَإِنْ اتَّفَقَ اجْتِمَاعُهَا كَانَ السَّمَاعُ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَهُوَ إنْشَادُ الشِّعْرِ بِرَفْعِ الصَّوْتِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ ﵃ أَنَّهُمْ كَانُوا يَدْخُلُونَ إلَى خَلَوَاتِهِمْ فَمَنْ عَجَزَ مِنْهُمْ عَنْ تَمَامِ الْمُدَّةِ الَّتِي دَخَلَ عَلَيْهَا خَرَجَ فَحَضَرَ السَّمَاعَ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى خَلْوَتِهِ نَشِطًا؛ لِأَنَّ الْقَوَّالَ كَانَ يَمُدُّهُمْ فِي بَوَاطِنِهِمْ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يُنْشِدُ لَهُمْ مِنْ دُرَرِ الشِّعْرِ مَا يُنَاسِبُ حَالَهُمْ

3 / 96