العلم
محقق
صلاح الدين محمود
الناشر
مكتبة نور الهدى
تصانيف
•آداب العالم والمتعلم
•
الإمبراطوريات و العصور
آل سعود (نجد، الحجاز، المملكة العربية السعودية الحديثة)، ١١٤٨- / ١٧٣٥-
الباب الأول: في تعريف العلم وفضله وحكم طلبه
الفصل الأول: تعريف العلم
لغة: نقيض الجهل، وهو: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا.
اصطلاحًا: فقد قال بعض أهل العلم: هو المعرفة وهو ضد الجهل، وقال آخرون من أهل العلم: إن العلم أوضح من أن يعرف.
والذي يعنينا هو العلم الشرعي، والمراد به: علم ما أنزل الله على رسوله من البينات والهدى، فالعلم الذي فيه الثناء والمدح هو علم الوحي، علم ما أنزل الله فقط.
وقال النبي ﷺ: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" ١.
وقال النبي ﷺ: "إن الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر" ٢.
ومن المعلوم أن الذي ورثه الأنبياء إنما هو علم شريعة الله ﷿ وليس غيره، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما ورثوا للناس علم الصناعات وما يتعلق بها، بل إن الرسول ﷺ حين قدم المدينة وجد الناس يؤبرون النخل أي يلقحونها قال لهم لما رأى من تعبهم كلامًا يعني أنه لا حاجة إلى هذا ففعلوا، وتركوا التلقيح، ولكن النخل فسد، ثم قال لهم النبي ﷺ: "أنتم أعلم بشؤون دنياكم" ٣.
ولو كان هذا هو العلم الذي عليه الثناء لكان الرسول ﷺ أعلم الناس به؛ لأن أكثر من يُثنى عليه بالعلم والعمل هو النبي ﷺ.
إذن فالعلم الشرعي هو الذي يكون فيه الثناء ويكون الحمد لفاعله، ولكني مع
١ متفق عليه رواه البخاري ٧١، ٣١١٦، ٧٣١٢. ومسلم ١٠٣٧.
٢ رواه الترمذي ٦٢٨٢. وأبو داود ٣٦٤١. وابن ماجة ٢٢٣. وصححه الألباني في صحيح الجامع ٦٢٩٧.
٣ صحيح رواه مسلم ٢٦٣. وأحمد ٣/١٥٢.
1 / 9
ذلك لا أنكر أن يكون للعلوم الأخرى فائدة، ولكنها فائدة ذات حدين: إن أعانت على طاعة الله وعلى نصر دين الله وانتفع بها عباد الله، فيكون ذلك خيرًا ومصلحة، وقد يكون تعلمها واجبا في بعض الأحيان إذا كان ذلك داخلا في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال:٦٠] .
وقد ذكر كثير من أهل العلم أن تعلم الصناعات فرض كفاية؛ وذلك لأن الناس لا بد لهم من أن يطبخوا بها، ويشربوا بها، وغير ذلك من الأمور التي ينتفعون بها، فإذا لم يوجد من يقوم بهذه المصانع صار تعلمها فرض كفاية. وذا محل جدل بين أهل العلم الشرعي الذي هو فقه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وما عدا ذلك فإما أن يكون وسيلة إلى خير أو وسيلة إلى شر، فيكون حكمه بحسب ما يكون وسيلة إليه.
1 / 10
الفصل الثاني: فضائل العلم
لقد مدح الله ﷾ العلم وأهله، وحثَّ عباده على العلم والتزود منه وكذلك السنة المطهرة فالعلم من أفضل الأعمال الصالحة، وهو من أفضل وأجلّ العبادات، عبادات التطوع؛ لأنه نوع من الجهاد في سبيل الله، فإن دين الله ﷿ إنما قام بأمرين:
أحدهما: العلم والبرهان.
والثاني: القتال والسنان.
فلا بد من هذين الأمرين، ولا يمكن أن يقوم دين الله ويظهر إلا بهما جميعًا، والأول منهما مقدّم على الثاني، ولهذا كان النبي ﷺ لا يُغِير على قوم حتى تبلغهم الدعوة إلى الله ﷿ فيكون العلم قد سبق القتال قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] .
فالاستفهام هنا لا بد فيه من مقابل "أمَّن هو قائم قانت آناء الليل والنهار" أي كمن ليس كذلك، والطرف الثاني المفضل عليه محذوف للعلم به، فهل يستوي من هو قانت آناء الليل ساجدًا أو قائمًا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، هل يستوي هو ومن هو مستكبر عن طاعة الله؟.
الجواب: لا يستوي؛ فهذا الذي هو قانت يرجو ثواب الله ويحذر الآخرة هل فِعلُه ذلك عن علم أو عن جهل؟
الجواب: عن علم، ولذلك قال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩] . لا يستوي الذي يعلم والذي لا يعلم، كما لا يستوي الحي والميت، والسميع والأصم، والبصير والأعمى، العلم نور يهتدي به الإنسان، ويخرج به من الظلمات إلى النور، العلم يرفع الله به من يشاء من خلقه ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ
1 / 11
وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] .
ولهذا نجد أن أهل العلم محل الثناء، كلما ذُكروا أُثنِيَ عليهم، وهذا رَفْع لهم في الدنيا، أما في الآخرة فإنهم يرتفعون درجات بحسب ما قاموا به من الدعوة إلى الله والعمل بما عملوا.
إن العابد حقًّا هو الذي يعبد ربه على بصيرة ويتبين له الحق، وهذه سبيل النبي ﷺ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] .
فالإنسان الذي يتطهر وهو يعلم أنه على طريق شرعي، هل هو كالذي يتطهر من أجل أنه رأى أباه أو أمه يتطهرا؟ أيهما أبلغ في تحقيق العبادة؟ رجل يتطهر؛ لأنه علم أن الله أمر بالطهارة، وأنها هي طهارة النبي ﷺ فيتطهر امتثالا لأمر الله واتباعًا لسنة رسول الله ﷺ؟ أم رجل آخر يتطهر؛ لأن هذا هو المعتاد عنده؟
فالجواب: بلا شك أن الأول هو الذي يعبد الله على بصيرة. فهل يستوي هذا وذاك؟ وإن كان فعل كل منهما واحدًا، لكن هذا عن علم وبصيرة يرجو الله ﷿ ويحذر الآخرة ويشعر بأنه متبع للرسول ﷺ.
وأقف عند هذه النقطة وأسأل هل نستشعر عند الوضوء بأننا نمتثل لأمر الله ﷾ في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] .
هل الإنسان عند وضوئه يستحضر هذه الآية وأنه يتوضأ امتثالا لأمر الله؟.
هل يستشعر أن هذا وضوء رسول الله ﷺ وأنه يتوضأ اتباعًا لرسول الله ﷺ؟
الجواب: نعم، الحقيقة أن منا من يستحضر ذلك، ولهذا يجب عند فعل العبادات أن نكون ممتثلين لأمر الله بها حتى يتحقق لنا بذلك الإخلاص وأن نكون متبعين لرسول الله ﷺ. نحن نعلم أن من شروط الوضوء النية، لكن النية
1 / 12
قد يراد بها نية العمل، وهذا نتنبه لهذا الأمر العظيم، وهي أن نستحضر ونحن نقوم بالعبادة أن نمتثل أمر الله بها لتحقيق الإخلاص، وأن نستحضر أن الرسول ﷺ فعلها ونحن له متبعون فيها لتحقيق المتابعة؛ لأن من شروط صحة العمل: الإخلاص. والمتابعة.
اللذين بهما تتحقق شهادة أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
نعود إلى ما ذكرنا أولا من فضائل العلم، إذ بالعلم يعبد الإنسان ربه على بصيرة، فيتعلق قلبه بالعبادة ويتنور قلبه بها، ويكون فاعلا لها على أنها عبادة لا على أنها عادة، ولهذا إذا صلى الإنسان على هذا النحو فإنه مضمون له ما أخبر الله به من أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.
ومن أهم فضائل العلم ما يلي:
١- أنه إرث الأنبياء: فالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا وإنما ورثوا العلم، فمَنْ أخذ بالعلم فقد أخذ بحظ وافر من إرث الأنبياء، فأنت الآن في القرن الخامس عشر إذا كنت من أهل العلم ترث محمدًا ﷺ وهذا من أكثر الفضائل.
٢- أنه يبقى والمال يفنى: فهذا أبو هريرة ﵁ من فقراء الصحابة حتى إنه يسقط من الجوع كالمغمى عليه وأسألكم بالله هل يجري لأبي هريرة ذكر بين الناس في عصرنا أم لا؟.
نعم يجري كثيرا فيكون لأبي هريرة أجر من انتفع بأحاديثه؛ إذ العلم يبقى والمال يفنى، فعليك يا طالب العلم أن تستمسك بالعلم فقد ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: "إذا مات الإنسان، انقطع عمله إلا من ثلاث؛ صدقة جارية أو عمل ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" ١.
١ صحيح: رواه مسلم ١٣٦١. والبخاري في الأدب المفرد ٣٨. وأبو داود ٢٨٨٠. والنسائي ٦/٢٥١. والترمذي ١٣٧٦.
1 / 13
٣- أنه لا يُتعب صاحبه في الحراسة؛ لأنه إذا رزقك الله علمًا فمحله في القلب لا يحتاج إلى صناديق أو مفاتيح أو غيرها، هو في القلب محروس، وفي النفس محروس، وفي الوقت نفسه هو حارس لك؛ لأنه يحميك من الخطر بإذن الله ﷿ فالعلم يحرسك، ولكن المال أنت تحرسه تجعله في صناديق وراء الأغلاق، ومع ذلك تكون غير مطمئن عليه.
٤- أن الإنسان يتوصل به إلى أن يكون من الشهداء على الحق، والدليل قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] .
فهل قال: أولو المال؟
لا، بل قال: ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ فيكفيك فخرًا يا طالب العلم أن تكون ممن شهد الله أنه لا إله إلا هو مع الملائكة الذين يشهدون بوحدانية الله ﷿.
٥- أن أهل العلم هو أحد صنفي ولاة الأمر: الذين أمر الله بطاعتهم في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] .
فإن ولاة الأمور هنا تشمل ولاة الأمور من الأمراء والحكام، والعلماء وطلبة العلم؛ فولاية أهل العلم في بيان شريعة الله ودعوة الناس إليها وولاية الأمراء في تنفيذ شريعة الله وإلزام الناس بها.
٦- أن أهل العلم هو القائمون على أمر الله تعالى حتى تقوم الساعة، ويستدل لذلك بحديث معاوية ﵁ يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله " ١ رواه البخاري.
١ متفق عليه: رواه البخاري ٧١، ٣١١٦، ٧٣١٢. ومسلم ١٠٣٧.
1 / 14
وقد قال الإمام أحمد عن هذه الطائفة: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم.
وقال القاضي عياض ﵀: أراد أحمد أهل السنة ومن يعتقد مذهب الحديث.
٧- أن الرسول ﵊ لم يرغب أحدًا أن يغبط أحدًا على شيء من النعم التي أنعم الله بها إلا على نعمتين هما:
* طلب العلم والعمل به.
* التاجر الذي جعل ماله خدمة للإسلام.
فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمةً فهو يقضي بها ويُعلّمها" ١.
٨- ما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا فكان منها طائفة طيبة، قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعُشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تُمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقُه في دين الله ونفعهُ ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هُدى الله الذي أرسلتُ به" ٢.
٩- أنه طريق الجنة: كما دل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ومن سلك طريقا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا
١ متفق عليه: رواه البخاري ٧٣، ١٤٠٩، ٧١٤١، ٧٣١٦. ومسلم ٨١٦.
٢ متفق عليه: رواه البخاري ٧٩. ومسلم ٢٢٨٢.
1 / 15
إلى الجنة" ١. رواه مسلم.
١٠- ما جاء في حديث معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من يرد الله به خيرًا يُفقهه في الدين" ٢.
أي: يجعله فقيهًا في دين الله ﷿، والفقه في الدين ليس المقصود به فقه الأحكام العملية المخصوصة عند أهل العلم بعلم الفقه فقط، ولكن المقصود به هو: علم التوحيد، وأصول الدين، وما يتعلق بشريعة الله ﷿. ولو لم يكن من نصوص الكتاب والسنة إلا هذا الحديث في فضل العلم لكان كاملا في الحثّ على طلب علم الشريعة والفقه فيها.
١١- أن العلم نور يستضيء به العبد فيعرف كيف يعبد ربه، وكيف يعامل عباده، فتكون مسيرته في ذلك على علم وبصيرة.
١٢- أن العالم نور يهتدي به الناس في أمور دينهم ودنياهم، ولا يخفى على كثير منّا قصة الرجل الذي من بني إسرائيل "قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدُلَّ على رجل عابد فسأله هل له من توبة؟ فكأن العابد استعظم الأمر فقال: لا. فقتله فأتم به المائة، ثم ذهب إلى عالم فسأله فأخبره أن له توبة وأنه لا شيء يحول بينه وبين التوبة، ثم دلَّه على بلد أهله صالحون ليخرج إليها، فخرج فأتاه الموت في أثناء الطريق". والقصة مشهورة٣. فانظر الفرق بين العالم والجاهل.
١٣- أن الله يرفع أهل العلم في الآخرة وفي الدنيا، أما في الآخرة فإن الله
١ صحيح: رواه مسلم ٢٦٩٩. والترمذي ٢٦٤٦، ٢٩٤٥. وأبو داود ٣٦٤٣. وابن ماجة ٢٢٥. وأحمد ٢/٢٥٢، ٣٢٥.
٢ متفق عليه: رواه البخاري ٧١، ٣١١٦، ٧٣١٢. ومسلم ١٠٣٧.
٣ القصة وردت في حديث متفق عليه: رواه البخاري ٣٤٠٧. ومسلم ٢٧٦٦.
1 / 16
يرفعهم درجات بحسب ما قاموا به من الدعوة إلى الله ﷿ والعمل بما علموا، وفي الدنيا يرفعهم الله بين عباده بحسب ما قاموا به. قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] .
1 / 17
الفصل الثالث: حكم طلب العلم
طلب العلم الشرعي فرض كفاية إذا قام به من يكفي صار في حق الآخرين سنة، وقد يكون طلب العلم واجبًا على الإنسان عينًا أي فرض عين، وضابطه أن يتوقف عليه معرفة عبادة يريد فعلها أو معاملة يريد القيام بها، فإنه يجب عليه في هذه الحال أن يعرف كيف يتعبد لله بهذه العبادة وكيف يقوم بهذه المعاملة، وما عدا ذلك من العلم ففرض كفاية وينبغي لطالب العلم أن يشعر نفسه أنه قائم بفرض كفاية حال طلبه ليحصل له ثواب فاعل الفرض مع التحصيل العلمي.
ولا شك أن طلب العلم من أفضل الأعمال، بل هو من الجهاد في سبيل الله، ولا سيما في وقتنا هذا حين بدأت البدع تظهر في المجتمع الإسلامي وتنتشر وتكثر، وبدأ الجهل الكثير ممن يتطلع إلى الإفتاء بغير علم، وبدأ الجدل من كثير من الناس.
فهذه ثلاثة أمور كلها تُحتم على الشباب أن يحرص على طلب العلم:
أولا: بدع بدأت تظهر شرورها.
ثانيًا: أناس يتطلعون إلى الإفتاء بغير علم.
ثالثًا: جدل كثير في مسائل قد تكون واضحة لأهل العلم لكن يأتي من يجادل فيها بغير علم.
فمن أجل ذلك فنحن في ضرورة إلى أهل علم عندهم رسوخ وسعة اطلاع، وعندهم فقه في دين الله، وعندهم حكمة في توجيه عباد الله؛ لأن كثيرًا من الناس الآن يحصلون على علم نظري في مسألة من المسائل ولا يهمهم النظر إلى إصلاح الخلق وإلى تربيتهم، وأنهم إذا أفتوا بكذا وكذا صار وسيلة إلى شر أكبر لا يعلم مداه إلا الله.
1 / 18