بين العقيدة والقيادة
الناشر
دار القلم - دمشق
الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م
مكان النشر
الدار الشامية - بيروت
تصانيف
•الفكر الإسلامي
مناطق
العراق
بَيْنَ العَقِيدَة والقِيَادَة
تَأليف
اللواء الرّكن
محمود شيت خطابْ
دار القلم
دمشق
الدار الشامية
بيروت
1 / 1
بسم الله الرحمن الرحيم
1 / 2
الطّبعَة الأولى
١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م
1 / 4
الإهْدَاء
إلى القائد:
الذي يرفع راية الإسلام فوق المسجد الأقصى.
ويستعيد الأرض المقدسة للعرب، من إسرائيل.
محمود شيت خطابْ
1 / 5
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِن
مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا
عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾
[الحج ٢٢: ٤٠ - ٤١]
1 / 6
هذا الكتاب
هذا الكتاب بين العقيدة والقيادة، يدل بلفظه على موضوعه، فالعنوان يدل على ما حواه الكتاب، وهو الصلة الوثيقة بين عقيدة القائد، وقيادته؛ وأن القيادة الرشيدة لا بدَّ أن تدفعها عقيدة مؤمنة وقلب لم يركس في المعاصي، ونفس لم تُدنَّس بالفسوق والانحراف، وإرادة حازمة قوية ضابطة غير خاضعة لهوى يهوِي بها؛ بل هي سيدة على النفس، حاكمة لها.
والكتاب دعوة للقادة، إلى أن يؤمنوا بالله تعالى، ورسله الأكرمين، وأن يكون لهم إيمان بالله، يعقدون العزم على الاستمساك بأمر الله تعالى ونهيه، وأن يكون للقائد مَثَلٌ ديني عالٍ يسمُو إليه، ويتبعه جنده في إيمانه، كما يتبعون قيادته، وإنهم في هذه الحال يتبعونه رَغَبًا لا رَهَبًا، وتكون طاعتهم له نابعة من إيمان، ليكون لجهادهم معنى سام عالٍ، ولا يكون قسرًا وكرهًا، لمجرَّد النظام العسكري الملزم.
وأن القلوب المؤمنة هي التي تبتغي النصر، وتصل إليه؛ والله يؤيد بنصره من يشاء.
فكل القادة الذين قادوا معارك الفتح كانوا من المؤمنين، كذلك الذين صدُّوا غارات المعتدين .. من هؤلاء القادة: أسد بن الفرات فاتح جزيرة صقلية، وصلاح الدين الأيوبي محرر القدس وقاهر الصليبيين، وقطز قاهر التتار، ومحمدٌ الفاتح فاتح القسطنطينية.
***
1 / 7
تقديم
للأستَاذ الجَليل العَلاّمَة محمّد أبو زَهرَة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي خلق الإنسان من صلصال من حمأ مسنون، وخلق الجانَّ من مارجٍ من نار، وطرد إبليس من رحمته، فكانت العداوة بينه وبين آدم وبنيه، قال سبحانه: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، فكانت العداوة المستمرة بين الخير والشر؛ وجعل على أهل الخير أن يدفعوا الشر، ولا يستسلموا؛ وجعل الأرض يرثها عباد الله الصالحون: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
والصلاة والسلام على محمد، الذي قاد جيش الخير، وحارب الشر، وعلّم بقيادته في الحرب الفاضلة التي تقطر فيها الدماء، ولا ينحل فيها رباط الفضيلة المقدس: ما يجب أن يكون عليه القائد؛ وحمل اللواء من بعده حواريوه الأمجاد، الذين حاربوا بالعقيدة أولًا وبالسيف ثانيًا؛ والخُلق الكريم هو الذي ساد وحكم في الحرب والسلم على سواء، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
1 / 9
١ - أما بعد، فقد أطلعني صديقي الكريم اللواء الركن محمود شيت خطاب على كتابه القيم "بين العقيدة والقيادة"، واستمعت إلى بعض قليل منه في مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية.
وإن الكتاب يكون صورة من كاتبه في تفكيره في المعقول، ومظهرًا لذوقه وإدراكه في المنقول؛ ولا ينفصل الكتاب الذي يكون ثمرة لجهود كاتبه، عن صاحبه؛ كما لا ينفصل السبب عن المسبب واللازم عن الملزوم لأنه صورة منه، وصورة طور من أطوار نفسه.
ولا يمكن أن يتبين الأثر إلا إذا تعرضنا بالبيان لمن أوجده.
ولذا كان لا بد أن نتعرض بكلمة للكاتب، قبل أن نتصدى للمكتوب، كما لا نعرف النتائج من غير معرفة مقدماتها.
٢ - وإن صديقي الكريم اللواء الركن محمود شيت خطاب، القائد العظيم المدرك، والوزير المخلص - وقليل ما هم - سعدْتُ بمعرفته من نحو أربع سنين أو أقل، والمدة في الحالين لا تزيد؛ ولكني بمجرد أن التقيت به أحسست بأني أعرفه منذ سنين تعد بالعشرات، لا بالآحاد، وكأن الأرواح قد تعارفت قبل أن تتلاقى الأشباح، وكأن الصورة قد رأيتها، وما لقيتها؛ لأن الأرواح تتألف وتسبق الائتلاف، وتتقارب وتسبق الاقتراب؛ ولذلك سرعان ما تصادقنا عندما التقيت به، وكأن صداقتنا ترجع بالماضي إلى آماد، لا إلى وقت قريب.
إذا اجتمعنا منفردَيْن أو في جمع، وتبادلنا الأفكار، أحسست بأني لا أنوي فكرة إلا سبقني إليها، وقد أُسارع إلى القول بما في خاطره، قبل أن يبديه؛ وكان ذلك لامتزاج نفوسنا، وصفاء ما في نفسه،
1 / 10
وابتعاده عن الالتواء في القول أو الفكر أو الاتجاه، فهو يسير بفكره وقوله وعمله في خط مستقيم، كاستقامة قامته؛ والخط المستقيم يعرف ابتداؤه، كما يُعرَف وسطه وانتهاؤه.
وكانت مجالس نتبادل فيها الحديث على نور من الله، وروحانية نفوس، واستقامة قلوب بيننا؛ فكنت أتذكر في هذه الصحبة قول النبي ﷺ: "إن لله ناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء لمكانهم من الله"، قيل: "ومن هم يا رسول الله"؟ قال: "قوم تحابُّوا بروح من الله على غير أرحام تربطهم، ولا أموال يتعاطونها؛ والله إنهم لنور، وإنهم لعلى نور؛ لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس"، ثم تلا قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
تذكرت هذا الأثر النبوي إذ اكتمل بالعمل جمعنا، لكني ولست ممن يتسامى إلى هذه المكانة، وأحسب أن صاحبي يتسامى إليها، أو إني أرجو ذلك له.
٣ - وقد جمع الله تعالى لصديقنا اللواء خطاب من الصفات ما تسمو به واحدة منها عن سفساف الأمور، وتتجه به إلى معاليها.
أولها: الإخلاص في القول والعمل؛ والإخلاص إذا كان في قلب أشرق، وقذف الله تعالى فيه بنور الحكمة، وكان تفكيره مستقيمًا، ولسانه قويمًا، وعمله حكيمًا، فلا يكون التواء، ولا عوج.
وثانيها: الإدراك الواسع، والعلم بما حوله، وتعرف الأمور من وجوهها، وإداركها من مصادرها؛ فقلمه نقي، وله فكر ألمعي.
1 / 11
قائد يعرف خصمه، ويدرك مراميه، حتى أنه ليتوقع الحرب أو الهجوم من عدوه في ميقاتها قبل أن يعلنها، وقبل أن يفكر فيها من سيكونون حطبها؛ لأنه يعلم الخصم، ومآربه، وحاله، ويتعرف من ذلك مآله .. علم بهجوم اليهود سنة ١٩٦٧ قبل أن يعلنوه، وقبل أن يقدره الذين كانوا في زعمهم يدبرون الأمور، ويلبسون لكلٍّ لبوسها.
وثالثها: إيمان صادق بالله، ورسوله النبي الأمين؛ ولذلك يتتبع سيرة السالفين، ويجعل منهم نورًا يهتدي به، ويعلم منه أعلام الهداية.
ويكمل هذه الصفات التي هي منه بمنزلة السجايا والملكات؛ همة عالية، وتجربة ماضية، وخبرة بالعلم والحروب، وخصوصًا ما كان بين العرب واليهود.
وهو عالم في العربية، وملم إلمامًا عظيمًا بشؤون الدين، وقارئ يتقصَّى الحقائق فيما يقرأ؛ يتعرف ما تسطره الأقلام، وما وراء ما تسطره؛ ينفر من تقليد الفرنجة ويُؤْثِر ما في القرآن والسنة وما كان عليه السلف الصالح؛ وهو ممن يُؤْثِرون الاتباع، ولا يرضَوْن عن الابتداع؛ سلفي في إيمانه وعمله، قوي في تفكيره، يهضم ما جدّ في العصر، بما في قلبه من إيمان راسخ، واتباع مستقيم .. وله مع كل هذا قلم بارع مصور، وكتابته من قبيل السهل الممتنع؛ وفقه الله تعالى وهداه.
٤ - هذه إشارة تعريف بالكاتب؛ فلننظر إلى الكتاب، ونتجه إليه بدراسة موجزة موضوعية، وليست شخصية؛ فننظر إلى المكتوب من غير أن نكون متأثرين بشخصية الكاتب إلا بمقدار أن الأثر من نوع
1 / 12